ابن قيم الجوزية

191

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فصل وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه لعباده ، ودلالتهم وتعريفهم لما شهد به ، وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها لم ينتفعوا بها ، ولم يقم عليهم بها الحجة ، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ، ولم يبينها . بل كتمها : لم ينتفع بها أحد ، ولم تقم بها حجة . وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها ، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة : السمع ، والبصر ، والعقل . أما السمع : فبسمع آياته المتلوة القولية ، المتضمنة لإثبات صفات كماله . ونعوت جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سماواته ، وتكلمه بكتبه ، وتكليمه لمن يشاء من عباده تكلما وتكليما ، حقيقة لا مجازا . وفي هذا إبطال لقول من قال : إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته السمعية : من إثبات معانيها ، وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها . فإن هذا ضد البيان والأعلام . ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان . وقد ذم اللّه من كتم شهادة عنده من اللّه . وأخبر أنه من أظلم الظالمين . فإذا كانت عند العبد شهادة من اللّه تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته ، وتوحيد مرسله ، وأن إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم ، وكتم هذه الشهادة - كان من أظلم الظالمين ، كما فعله أعداء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . فكيف يظن باللّه سبحانه أنه كتم الشهادة الحقّ التي يشهد بها الجهمية والمعتزلة والمعطلة ، ولا يشهد بها لنفسه ثم يشهد لنفسه بما يضادها ويناقضها ، ولا يجامعها بوجه ما ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . فإن اللّه سبحانه شهد لنفسه بأنه استوى على العرش ، وبأنه القاهر فوق عباده ، وبأن ملائكته يخافونه من فوقهم ، وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر ،